محمد علي الحسن

128

المنار في علوم القرآن

والذي لا شك فيه بل المجمع عليه ، هو صحة السند ، بل أرى أنه الركن الوحيد الذي ينبغي أن يقتصر عليه ، والذي أعنيه بصحة السند ليس مجرد الصحة ، بل التواتر ، ذلك لأن القرآن كله متواتر ، لا يشك في ذلك مسلم من المسلمين ، وقراءته يتعبد بتلاوتها المؤمنون ، وقراءاته المختلفة لا ضير بالاكتفاء ببعضها ، لأنها كلها قرآن ، فأرجلكم من قوله تعالى : . . وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ . . [ المائدة : 6 ] قرآن . وأرجلكم بالكسر في الموضع نفسه قرآن ، و مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إن قرأت بهذه القراءة قرآن ، وملك يوم الدّين قرآن ، إن شئت قرأت بهذه أو بتلك . فالقراءة قرآن يتعبد بتلاوتها فلا بد من تواترها لإثبات قرآنيتها . أما القراءة التي لم تتواتر سندا فلا تعتبر قرآنا مهما أضفت إليها من معايير وشروط ، وقد أخطأ من حكم بقرآنيتها إذا وافقت الرسم ووافقت اللغة ، وأنزلها منزلة المتواتر في السند . إن التواتر لا يكون إلّا بالسند الذي يرويه جمع عن جمع . . . إلخ إذا وضح عندنا صحة اعتبار تواتر السند ، فلا ضير علينا في الركنين الأخيرين ، لأنه لم يثبت لدينا أن قراءة من القراءات المتواترة قد خالفت الرسم القرآني ، أو خالفت العربية . ودع عنك ما يقال إن بعض القراءات القرآنية المتواترة قد خالفت العربية ، كما زعموا في قوله تعالى : . . وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ . . [ النساء : 1 ] . والأرحام بالكسر أو قراءة فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ [ البقرة : 54 ] بالتسكين مخففة فإن كلام النحاة الذين خالفوا كلام القراء لا يستند إلى دليل . أعود لأقول : إن شرط القراءة أو ركنها الوحيد هو صحة السند وتواتره ، ولا ثاني له واللّه أعلم . يقول الأستاذ سعيد الأفغاني : ( والشرط الأساسي - كما يظهر للمتأمل - هو الأول ، أي : صحة السند ، أما الثاني والثالث فالغالب أنهما أضيفا ليتكون من الثلاثة ما ينطبق تمام المطابقة على القراءات العشر المعروفة ) « 1 » ثم أضاف : « إن أول وأشهر

--> ( 1 ) حجة القراءات ، ص 12 .